فرصة ثانية قصص مغربية بالدارجة
فرصة ثانية
قصة واقعية
لم أكن أشعر بشيء نحو زوجتي و أبنائي، بل طالما أحسست بثقلٍ رهيب يجعلني أجرّ الخطى جرّا لأعود لبيتي كلّما أنهيت عَملي مساءً.
كيف لا أتثاقَلُ؟ و أنا عائد لأرى نفس الأوجه الّتي سئِمتُ رؤيتها، وجه زوجتي الشّاحب الّذي لا يكفّ عن النّكد، و أوجه أبنائي الثلاثة المُزعجين..
قد أبدو بعد ما أسررتُ لَكم شخصا سيئا، لكنني لستُ كذلك في الواقع، بل تسود بيني و بين الجميع علاقةُ احترامٍ و تفاهم، كما أنّي لا أدخّن و أحافظُ على صلواتي في المسجد و لا يشغلني شاغلٌ في الحياة باستثناء العمل.. إضافةً للتّلفاز الّذي أمضي أغلب وقتي المنزلي أمامه أقلّب قنوات الأخبار و الرّياضة..
لا أخفيكم أنّي أتعجب من العلاقات الأسرية السّعيدة.. مثلًا حينما أرى جاري يخرج من بيته و يده في يد زوجته فيما يَدهُ الأُخرَى تداعبُ أبنائه بمحبّة، كأنّهم لم يكونوا في نفس البيت قبل قليل! صُورة تتكرّر أمامي كثيرًا و لا أملك سوى الاستغراب في كل مرة أراها فيها..
نفس الأمر مع زميلي في العمل الّذي لا يمرّ يوم لا يتصل خلاله بأهله مرّتين على الأقل، يسألُ عن أحوالهم مُمطرًا عليهم الأسئلة، رغم أنَّ حالهم جيّد دائما، و طيلة معرفتي به لم يحدث لهم سوء!
سألته يومًا عن ما كان يقبع في طرفِ لساني على الدّوام:
_ لماذا كثرة الإتصالات و السؤال عن وضعهم بلا فائدة؟! سيتصلون هم بك إن أصابهم مكروه في كل حال...
ابتسم يومها قائلا: لا أنتظر أن يمسّهم مكروه لأطمئن عليهم، أنا أحدّثهم لأنّي أحب فعل ذلك و لأنّي أشتاق إليهُم خلال مكوثي في العمل..
تعجّبت من شوقه لأشخاص كان برفقتهم قبل ساعتين فقط.. لكنّي تجاهلت الأمر و أكببت على عملي مرة أخرى..
عشرون سنة مضت على زواجي، رُزقت فيها بثلاثة ذكور و كثيرٍ من المسؤوليات.. زوجتي ليست امرأة مرحة أبدًا و أخالها تراني كيسًا تفرغ فيه طاقتها السلبية، ما إن تلمحني حتى تمطرني بوابلٍ من الشّكاوي من صنفِ: ابنك أخفق في امتحان الرّياضيات، و الآخر كسر زجاج النافذة.. صنبور المياه يسرّب قطرات مزعجة رغم إغلاقه.. و ابن خال جدّتي مريض يجب علي زيارته...!
أيّا كان الأمر فهي ترفقه بمسرحية من الأسى الرّهيب.. أمّا الأطفال فذوو صخب و لعبٍ و هرج لا ينتهي حتى ساعات اللّيل المتأخرة بعد وعيد و تهديد شديد من أمّهم..
قد تتساءلون أين أنا من كل هذا؟ لأخبركم أني قد استوعبت بعد عشرين سنة زواجا أن مجاراة أي منهم تعني شجارا حادّا يزيد الأمور سوءا.. لهذا فأنا سأدفع ثمن الدّروس الخصوصية للرّياضيات، و أصلح الزّجاج المكسور و صنبور الماء المعطّل، ثم سأصحبها مساءً لذلك القريب الّذي لا أعرفه أصلا.. و سأكون أيضا البطل في آخر مراحل تهديد الأطفال، بقولها: والله لئن لم تناموا لأنادين والدكم كي يُبرحكم ضربا.. و أقف أنا خلفها بنظرة حازمة تجعلهُم ينامون فورا.
أقوم بكلّ ما يجب عليّ فعله لكن بملل و تعابير وجه متضايقة تنتظر أن يفرغ كل ذلك لأعود لأريكتي و أشاهد مباراة جديدة هادئة..
و تسير أيّامي بنفس المنوال المكرر..
حينما حلّ علينا وباء الكورونا تصادف وجود زوجتي و أبنائي في بيت أبويها، و الّذي يقع في منطقة موبوءة يمنع فيها الخروج أو التنقل منعا باتّا، ما حال دون عودتهم.. فيما أنا ماكث لوحدي في البيت بعد أن توقّف عملي.. بدا لي الأمر أرحم من تواجدنا معًا في نفس المنزل خلال الحَجر، و شكرت الله على حكمته في تسيير الأمور و إلّا لكنت قد جُننت حتمًا..
في بادئ الأمر أحسست أن المنزل غريب موحشٌ بِصَمته الغير مألوف، ما جعلني أرفع صوت التّلفاز لأعلى حدّ علّهُ يقطعُ معه ذلك السكون.. و بصدقٍ تعجّبت لانزعاجي منه و أنا الشّخص الذي تمنّى بعضا من الهدوء منذ زَمن.. و وجدتني أتسمّر أمام الشّاشةِ أغلب وقتي مراقبا ما جدّ حول الوباء، لكن بصراحة لم يكن يهمني العالم أجمع بقدر ما كانت عيناي تبحثان عن أي خبر يخصّ المنطقة الّتي يمكثون فيها الآن.. كُنتُ كلّما لمحت ارتفاع عدد الإصابات و الوفيات انقبض شيء ما في صدري… مضت الأيام و أعداد الإصابات تزداد و ذاك الشيء في داخلي يزداد أيضا..
في اليوم الخامس أغلقت التلفاز هربا من كثرة الأخبار التعيسة، و لشدة مللي بحثت عن شيء معطّل أصلحه! تفقدت المصابيح و أقفال الأبواب و رفوف الخزانة فلم أجد شيئا.. و لوهلة رغبت أن تكون زوجتي هنا لتدلني على ما أُصلح..!
أخذني الفراغُ بعدها لغرفة أولادي.. كان كلّ شيء مرتّبا منظما كأنّها ليست غرفة صبيانٍ، سأصدق القول أن والدتهم شخص حريص بالفعل.. جلستُ أمام مكتبهم الكبير و أخذتُ أفتّش وسط كراريسهم و أوراقهم... خطُّ أشرف قد تحسّن حقّا، يشبه خطّي تماما! و علاماتُ مصطفى قد ارتفعت لكنّه لازال ضعيفا في الرّياضيات، فكرت لو أنّه كان بجانبي الآن لشرحت له طريقة سهلة يحل بها التّمرين الذي أخطأ فيه... أما عُمَر و هو أصغرُهم فرسوماته كلّها كانت حول شيء واحد.. لُعبةٌ تذكّرت أنه طلب مني عدة مرات شراءها له.. لستُ بخيلا أبدا في توفير طلباتهم، لكني لم أجد الوقت لزيارة محل الألعاب، بالأحرى لم أسع لإيجاده.. تُرى ماذا يفعل هناك الآن بلا لعبة تشغله؟ ليتني اشتريتها له..
مضى أسبوع آخر و البيت قد أضحى خانقا جدّا، الأخبار السيئة تتوالى و ذاك الإحساس بات يجثم على صدري ثقيلا ثقيلا.. أتخيّل مع كل صوت في الخارج عودتهم، فينتابني شيء من الفرح، لكنّ الصوت يرحل كل مرّة و أتذكر معه استحالة قدومهم..
مكالماتي الهاتفية كانت تزداد يوما وراء الآخر و أنا الّذي لم أتصل بزوجتي من قبل إلا لتُذكّرني بما يلزمني شراؤه..
حينمَا وصل اليوم العشرون صارَ الأمر لا يطاقُ، خاصّةً بعد أن فتك الفيروسُ بسبعةِ أشخاصٍ من نفس الحيّ الذي يقطنون فيه.. أحدهم قد التقى بصهري قبل يومين!
اتصّلت للمرة العاشرةِ يومها، حدّثتهم فيها واحدا واحدا كل مرّة، أبنائي كانوا لا ينفكّون عَن ترديد السّؤال نفسه: متى تأتي لاصطحابنا؟
لأغيّر أنا دفّة الحديث عاجزًا عن الإجابة، مذكّرا إيّاهم بالتزام الحيطة و الوقاية..
أمّا زوجتي غير المعتادة على اهتمامي المفاجئ فقد كانت تحدثني و نبرة الحيرة تظهرُ جليّةً في صوتها..
إلى أن تشجَّعَت في آخر مكالمة لتسألني:
_أبا مصطفى.. طمنّي هل حدثَ شيء؟
صمتُّ لبرهة من الزّمن ثم أجبتها بتلعثم مُعتَرفا:
لا لم يحدُث أيّ شيء...
فقط.. قد اشتقت إليكُم كثيرا..
هل تتصورون أنّي سمعت بلا مقدّماتٍ صوت شهقاتها تصدر قويّة بائسةً من وراء الهاتف بعدَ جملتي تلك!؟
لحظتها أحسست و أنا الرّجل الذي لا يتأثّر، بدمعةٍ تبلّل خدّي، أودعتُ فيها أمنية بأن تعود إليّ بدموعها و نكدها و صخب أبنائها و تملأ حياتي بنفس الرّتابة الّتي أدركت كم أحبّها..
حينها سأصلّح كلّ الأشياء المكسورة بما فيها روحها، سأصحبها حتّى لأقاربِ الجيران إن شاءت.. سأغلق التّلفازَ و أدرّس أبنائي ثم سأسهَر معهم حتّى آخر ساعات الليل..
سأفعلُ كل ما يلزَم بكلّ شوقٍ..
.. فقط لو تعود..